![]() |
![]() |
||
|
|
|
|
|
|
|||||||
| التسجيل | تعليمات | قائمة الأعضاء | التقويم | مواضيع لم يرد عليها | البحث | مشاركات اليوم | اجعل كافة الأقسام مقروءة |
|
|
|
|
|
![]() |
| انشر الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
بيان فضيلة الصبر وقد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا " وقال تعالى: " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا " وقال تعالى: " ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " وقال تعالى: " أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا " وقال تعالى: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ولأجل كون الصوم من الصبر وأنه نصف الصبر قال الله تعالى: " الصوم لي وأنا أجزي به " فأضافه إلى نفسه من بين سائر العبادات ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى: " واصبروا إن الله مع الصابرين " وعلق النصرة على الصبر فقال تعالى: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى: " أولئك عليه صلوات من ربهم ورحمة أولئك هم المهتدون " فالهدى والرحمة والصلوات مجموعة للصابرين. واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول. وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم: " الصبر نصف الإيمان " على ما سيأتي وجه كونه نصفاً وقال صلى الله عليه وسلم: " من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطي حظه منهما لم يبال بما فاته من قيام الليل وصيام النهار ولأن تصبروا على ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضاً وينكركم أهل السماء عند ذلك فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ثم قرأ قوله تعالى: " ما عندكم ينفد وما عنده الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم " الآية وروى جابر أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " الصبر والسماحة " وقال أيضاً: " الصبر كنز من كنوز الجنة " وسئل مرة: ما الإيمان فقال: " الصبر " وهذا يشبه قوله صلى الله عليه وسلم: " الحج عرفة " معناه معظم الحج عرفة وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: " أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس " وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: تخلق بأخلاقي وأن من أخلاقي أني أنا الصبور. وفي حديث عطاء عن ابن عباس: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار فقال: " أمؤمنون أنتم " فسكتوا فقال عمر: نعم يا رسول الله قال: " وما علامة إيمانكم " قالوا: نشكر على الرخاء ونصبر على البلاء ونرضى بالقضاء فقال صلى الله عليه وسلم: " مؤمنون ورب الكعبة " وقال صلى الله عليه وسلم: " في الصبر على ما تكره خير كثير " وقال المسيح عليه السلام: إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون. وقال صلى الله عليه وسلم: " لو كان الصبر رجلاً لكان كريماً والله يحب الصابرين " والأخبار في هذا لا تحصى. وأما الآثار فقد وجد في رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران أحدهما أفضل من الآخر الصبر في المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى. واعلم أن الصبر ملاك الإيمان وذلك بأن التقوى أفضل البر والتقوى بالصبر وقال علي كرم الله وجهه: بني الإيمان على أربع دعائم: اليقين والصبر والجهاد والعدل. وقال أيضاً: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له. وكان عمر رضي الله عنه يقول: نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين يعني بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة ما يحمل فوق العدلين على البعير وأشاربه إلى قوله تعالى: " أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " وكان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية: " إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب " بكى وقال: واعجباه أعطى وأثنى أي هو المعطي للصبر وهو المثني. وقال أبو الدرداء: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر. هذا بيان فضيلة الصبر من حيث النقل وأما من حيث النظر بعين الاعتبار فلا تفهمه إلا بعد فهم حقيقة الصبر ومعناه إذ معرفة الفضيلة والرتبة معرفة صفة فلا تحصل قبل معرفة الموصوف فلنذكر حقيقته ومعناه وبالله التوفيق. اعلم أن الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين وجميع مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور: معارف وأحوال وأعمال. فالمعارف هي الأصول وهي تورث الأحوال والأحوال تثمر الأعمال فالمعارف كالأشجار والأحوال كالأغصان والأعمال كالثمار. وهذا مطرد في جميع منازل السالكين إلى الله تعالى. واسم الإيمان تارة يختص بالمعارف وتارة يطلق على الكل - كما ذكرناه في اختلاف اسم الإيمان والإسلام في كتاب قواعد العقائد - وكذلك الصبر لا يتم إلا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة. فالصبر على التحقيق عبارة عنها والعمل هو كالثمرة يصدر عنها ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفية الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم. فإن الصبر خاصية الإنس ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة. أما في البهائم فلنقصانها وأما في الملائكة فلكمالها. وبيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات وصارت مسخرة لها فلا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوة وليس فيها قوة تصادم الشهوة وتردها عن مقتضاها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً. وأما الملائكة عليهم السلام فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية بدرجة القرب منها ولم تسلط عليهم شهوة صارفة صادة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة ثم شهوة النكاح على الترتيب وليس له قوة الصبر البتة إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضاد مقتضياتهما ومطالبهما وليس في الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم ولكن الله تعالى بفضله وسعة جوده أكرم بني آدم ورفع درجتهم عن درجة البهائم فوكل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين أحدهما يهديه والآخر يقويه فتميز بمعونة الملكين عن البهائم. واختص بصفتين: إحداهما معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ومعرفة الصالح المتعلقة بالعواقب وكل ذلك حاصل من الملك الذي إليه الهداية والتعريف. فالبهيمة لا معرفة لها ولا هداية إلى مصلحة العواقب بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ. وأما الدواء النافع مع كونه مضراً في الحال فلا تطلبه ولا تعرفه فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أن اتباع الشهوات له مغبات مكروهة في العاقبة ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضر فكم من مضر يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلاً ولكن لا قدرة له على دفعه فافتقر إلى قدرة وقوة يدفع بها في نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوة حتى يقطع عداوتها عن نفسه فوكل الله تعالى به ملكاً آخر يسدده ويؤيده ويقويه بجنود لم تروها وأمر هذا الجند بقتال جند الشهوة فتارة يضعف هذا الجند وتارة يقوي ذلك بحسب إمداد الله تعالى عبده بالتأييد كما أن نور الهداية أيضاً يختلف في الخلق اختلافاً لا ينحصر. فلنسم هذه الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم في قمع الشهوات وقهرها: باعثاً دينياً ولنسم مطالبة الشهوات بمقتضياتها: باعث الهوى. وليفهم أن القتال قائم بين باعث الدين وباعث الهوى والحرب بينهما سجال ومعركة هذا القتال قلب العبد. ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب الله تعالى ومدد باعث الشهوة من الشياطين الناصرين لأعداء الله تعالى. فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة. فإن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة فقد نصر حزب الله والتحق بالصابرين وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين. فإن ترك الأفعال المشتهاة عمل يثمره حال يسمى: الصبر وهو ثبات باعث الدين الذي هو في مقابلة باعث الشهوة. وثبات باعث الدين حال تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات ومضاداتها لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة. فإذا قوي يقينه - أعني المعرفة التي تسمى إيماناً وهو اليقين بكون الشهوة عدواً قاطعاً لطريق الله تعالى - قوي ثبات باعث الدين وإذا قوي ثباته تمت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة فلا يتم ترك الشهوة إلا بقوة باعث الدين المضاد لباعث الشهوة. وقوة المعرفة والإيمان تقبح مغبة الشهوات وسوء عاقبتها. وهذان الملكان هما المتكفلان بهذين الجندين بإذن الله تعالى وتسخيره إياهما وهما من الكرام الكاتبين وهما الملكان الموكلان بكل شخص من الآدميين. وإذا عرفت أن رتبة الملك الهادي أعلى من رتبة الملك المقوي لم يخف عليك أن جانب اليمين هو أشراف الجانبين من جنبتي الدست الذي ينبغي أن يكون مسلماً له. فهو إذن صاحب اليمين والآخر صاحب الشمال. وللعبد طوران في الغفلة والفكر وفي الاسترسال والمجاهدة. فهو بالغفلة معرض عن صاحب اليمين ومسيء إليه فيكتب أعراضه سيئة وبالفكر مقبل عليه ليستفيد منه الهداية فهو به محسن فيكتب إقباله له حسنة. وكذا بالاسترسال هو معرض عن صاحب اليسار تارك للاستمداد منه فهو به مسيء إليه فيثبت عليه سيئة وبالمجاهدة مستمد من جنوده فيثبت له به حسنة. وإنما ثبتت هذه الحسنات والسيئات بإثباتهما فلذلك سمياً كراماً كاتبين. أما الكرام فلانتفاع العبد بكرمهما ولأن الملائكة كلهم كرام بررة وأما الكاتبون فإثباتهما الحسنات والسيئات وإنما يكتبان في صحائف مطوية في سر القلب ومطوية عن سر القلب حتى لا يطلع عليه في هذا العالم فإنهما وكتبتهما وخطهما وصحائفهما وجملة ما تعلق بهما من جملة عالم الغيب و الملكوت لا من عالم الشهادة وكل شيء من عالم الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم ثم تنشر هذه الصحائف المطوية عنه مرتين: مرة في القيامة الصغرى ومرة في القيامة الكبرى. وأعني بالقيامة الصغرى حالة الموت إذ قال صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " وفي هذه القيامة يكون العبد وحده وعندها يقال: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " وفيها يقال: " كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً " أما في القيامة الكبرى الجامعة لكافة الخلائق فلا يكون وحده بل ربما يحاسب على ملأ من الخلق وفيها يساق المتقون إلى الجنة والمجرمون إلى النار زمراً لا آحاداً والهول الأول هو هول القيامة الصغرى. ولجميع أهوال القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى مثل زلزلة الأرض مثلاً فإن أرضك الخاصة بك تزلزل في الموت فإنك تعلم أن الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال قد زلزلت أرضهم وإن لم تزلزل البلاد المحيطة بها بل لو زلزل مسكن الإنسان وحده فقد حصلت الزلزلة في حقه لأنه إنما يتضرر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة مسكنه لا بزلزلة مسكن غيره فحصته من الزلزلة قد توفرت من غير نقصان واعلم أنك أرضى مخلوق من التراب. وحظك الخاص من التراب بدنك فقط فأما بدن غيرك فليس بحظك. والأرض التي أنت جالس عليها بالإضافة إلى بدنك ظرف ومكان وإنما تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه وإلا فالهواء أبداً متزلزل وأنت لا تخشاه إذ ليس يتزلزل به بدنك فحظك من زلزلة الأرض كلها زلزلة بدنك فقط فهي أرضك وترابك الخاص بك وعظامك جبال أرضك ورأسك سماء أرضك وقلبك شمس أرضك وسمعك وبصرك وسائر خواصك نجوم سمائك ومفيض العرق من بدنك بحر أرضك وشعورك نبات أرضك وأطرافك أشجار أرضك وهكذا إلى جميع أجزائك فإذا انهدم بالموت أركان بدنك فقد زلزلت الأرض زلزالها فإذا انفصلت العظام من اللحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفاً فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كورت الشمس تكويراً فإذا بطل سمعك وبصرك وسائر حواسك فقد انكدرت النجوم انكداراً فإذا انشق دماغك فقد انشقت السماء انشقاقاً فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيراً فإذا التفت إحدى ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك فقد عطلت العشار تعطيلاً فإذا فارقت الروح الجسد فقد حملت الأرض فمدت حتى ألقت ما فيها وتخلت ولست أطول بجميع موازنة الأحوال والأهوال ولكني أقول بمجرد الموت تقوم عليك هذه القيامة الصغرى ولا يفوتك من القيامة الكبرى شيء مما يخصك بل ما يخص غيرك فإن بقاء الكواكب في حق غيرك ماذا ينفعك وقد انتثرت حواسك التي بها تنتفع بالنظر إلى الكواكب والأعمى يستوي عند الليل والنهار وكسوف الشمس وانجلاؤها لأنها قد كسفت في حقه دفعة واحدة وهو حصته منها فالانجلاء بعد ذلك حصة غيره من انشق رأسه فقد انشقت سماؤه إذ السماء عبارة عما بلى جهة الرأس فمن لا رأس له لا سماء له فمن أين ينفعه بقاء السماء لغيره فهذه هي القيامة الصغرى. والخوف بعد أسفل والهول بعد مؤخر وذلك إذا جاءت الطامة الكبرى وارتفع الخصوص وبطلت السموات والأرض ونسفت الجبال ونمت الأهوال. واعلم أن هذه الصغرى وإن طولنا في وصفها فإنا لم نذكر عشير أوصافها وهي بالنسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى فإن للإنسان ولادتين: إحداهما الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام فهو في الرحم في قرار مكين إلى قدر معلوم وله في سلوكه إلى الكمال منازل وأطوار من نطفة وعلقة ومضغة وغيرها إلى أن يخرج من مضيق الرحم إلى فضاء العالم فنسبة عموم القيامة الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى كنسبة سعة فضاء العالم إلى سعة فضاء الرحم ونسبة سعة العالم الذي يقدم عليه العبد بالموت إلى سعة فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا أيضاً إلى الرحم بل أوسع وأعظم فقس الآخرة بالأولى فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة. وما النشأة الثانية إلا على قياس النشأة الأولى بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنتين. وإليه الإشارة بقوله تعالى: " وننشئكم فيما لا تعلمون " فالمقر بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب والشهادة وموقن بالملك والملكوت. والمقر بالقيامة الصغرى دون الكبرى ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين وذلك هو الجهل والضلال والإقتداء بالأعور الدجال. فما أعظم غفلتك يا مسكين - وكلنا ذلك المسكين - وبين يديك هذه الأهوال فإن كنت لا تؤمن بالقيامة الكبرى بالجهل والضلال أفلا تكفيك دلالة القيامة الصغرى أو ما سمعت قول سيد الأنبياء: " كفى بالموت واعظاً " أو ما سمعت بكربه عليه السلام عند الموت حتى قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم هون على محمد سكرات الموت " أو ما تستحي من استبطائك هجوم الموت اقتداءً برعاع الغافلين الذين لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون فيأتيهم المرض نذيراً من الموت فلا ينزجرون ويأتيهم الشيب رسولاً منه فما يعتبرون فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون أفيظنون أنهم في الدنيا خالدون " أو لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون " أم يحسبون أن الموتى سافروا من عندهم فهم معدومون كلا " وإن كل لما جميع لدينا محضرون " ولكن " ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين " وذلك لأنا " جعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ". ولنرجع إلى الغرض فإن هذه تلويحات تشير إلى أمور هي أعلى من علوم المعاملة فنقول: ظهر أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى وهذه المقاومة من خاصة الآدميين لما وكل بهم من الكرام الكاتبين ولا يكتبان شيئاً عن الصبيان والمجانين إذ قد ذكرنا أن الحسنة في الإقبال على الاستفادة منهما والسيئة في الإعراض عنهما وما للصبيان والمجانين سبيل إلى الاستفادة فلا يتصور منهما إقبال وإعراض وهما لا يكتبان إلا الإقبال والإعراض من القادرين على الإقبال والإعراض ولعمري إنه قد تظهر مبادئ إشراق نور الهداية عند سن التمييز وتنمو على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس ولكنها هداية قاصرة لا ترشد إلى مضار الآخرة بل إلى مضار الدنيا فلذلك يضرب على ترك الصلاة ناجزاً ولا يعاقب على تركها في الآخرة ولا يكتب عليه من الصحائف ما ينشر في الآخرة. بل على القيم العدل والولي البر الشفيق إن كان من الأبرار وكان على سمت الكرام الكاتبين البررة الأخيار - أن يكتب على الصبي سيئته وحسنته على صحيفة قلبه فيكتب عليه بالحفاظ ثم ينشره عليه بالتعريف ثم يعذبه عليه بالضرب. فكل ولي هذا سمته في حق الصبي فقد ورث أخلاق الملائكة واستعملها في حق الصبي. فينال بها درجة القرب من رب العالمين كما نالته الملائكة فيكون مع النبيين والمقربين والصديقين. وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " وأشار إلى إصبعيه الكريمتين صلى الله عليه وسلم. اعلم أن الإيمان تارة يختص في إطلاقه بالتصديقات بأصول الدين وتارة يختص بالأعمال الصالحة الصادرة منها وتارة يطلق عليهما جميعاً وللمعارف أبواب وللأعمال أبواب ولاشتمال لفظ الإيمان على جميعها كان الإيمان نيفاً وسبعين باباً واختلاف هذه الإطلاقات ذكرناه في كتاب قواعد العقائد من ربع العبادات. ولكن الصبر نصف الإيمان باعتبارين وعلى مقتضى إطلاقين. أحدهما: أن يطلق على التصديقات والأعمال جميعاً. فيكون للإيمان ركنان: أحدهما اليقين والآخر الصبر. والمراد باليقين المعارف القطعية الحاصلة بهداية الله تعالى عبده إلى أصول الدين. والمراد بالصبر: العمل بمقتضى اليقين إذ اليقين يعرفه أن المعصية ضارة والطاعة نافعة ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى والكسل فيكون الصبر نصف الإيمان بهذا الاعتبار ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فقال: " من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر. " الحديث إلى آخره. الاعتبار الثاني: أن يطلق على الأحوال المثمرة للأعمال لا على المعارف وعند ذلك ينقسم جميع ما يلاقيه العبد إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره فيهما وله بالإضافة إلى ما يضره حال الصبر وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر فيكون الشكر أحد شطري الإيمان بهذا الاعتبار كما أن اليقين أحد الشطرين بالاعتبار الأول. وبهذا النظر قال ابن مسعود رضي الله عنه: الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر وقد يرفع أيضاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما كان الصبر صبراً عن باعث الهوى بثبات باعث الدين وكان باعث الهوى قسمين باعث من جهة الشهوة وباعث من جهة الغضب فالشهوة لطلب اللذيذ والغضب للهرب من المؤلم وكان الصوم صبراً عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب قال صلى الله عليه وسلم بهذا الاعتبار: " الصوم نصف الصبر " لأن كمال الصبر بالصبر عن دواعي الشهوة ودواعي الغضب جميعاً فيكون الصوم بهذا الاعتبار ربع الإيمان فهكذا ينبغي أن تفهم تقديرات الشرع بحدود الأعمال والأحوال ونسبتها إلى الإيمان: والأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان فإن اسم الإيمان يطلق على وجوه مختلفة.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||||
|
![]() ![]() ![]()
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | |||
|
موضوع متميز |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | |||||
|
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه
|
|||||
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مقدمة مختصرة عن فضل الجوع | فتحي عبدالعليم الجابري. | المنتدى الأمني (فرع قوات الأمن الخاصة حضرموت الوادي و الصحراء ) | 2 | 09-14-2010 02:59 AM |
| مقدمة عامة حول العيون | فتحي عبدالعليم الجابري. | قسم الثقافة العامة | 2 | 09-10-2010 06:25 AM |
| الصبر جميل ،،، ولنتأمل هذه الكلمات الرائعة التي قيلت فيه | اســــــير الاحــــــزان | قسم الثقافة العامة | 2 | 05-02-2010 07:53 AM |
| الوسائل 7 لاكتساب الصبر | الصابر | قسم الثقافة الإسلامية | 3 | 08-04-2009 10:32 PM |
| كتاب مقدمة عن نظام التشغيل Ms-dos | الـ هـب ـذ | المنتدى الأمني (فرع قوات الأمن الخاصة عدن ) | 3 | 01-02-2009 09:33 PM |